الشيخ محمد رشيد رضا
232
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إن هذه الحادثة من آيات اللّه التي أظهرتها الرياضة المكتسبة ، وهي أعجب من رواية الإنجيل لموت ليعازر ثم حياته بدعاء المسيح بعد أربعة أيام كما تقدم في بحث عجائبه ( ع . م ) وأغرب من حادثة أصحاب الكهف أيضا من بعض الوجوه فان الفقير الهندي قد سد أنفه ولف في كفن ووضع في تابوت دفن تحت الأرض فحيل بينه وبين الهواء الذي لا يعيش أحد بدونه عادة ، وأهل الكهف ناموا في فجوة واسعة من كهف بابه إلى الشمال مهب الهواء اللطيف وكانت الشمس تصيب مدخله من جانبيه عند شروفها وعند غروبها مائلة متزاورة عنهم ، فتلطف هواءه من حيث لا تصيبهم ، وانما كان أكبر الغرابة في نومهم طول مدة لبثتهم فيه ، وكانت طويلة جدا حتى على نقل البيضاوي وغيره من المفسرين ان قوله تعالى ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ) الآية - حكاية عن بعض المختلفين في أمرهم فإن كان خلاف ظاهر السياق فقد يقويه قوله تعالى في الآية بعدها ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ) واللّه أعلم بكل حال على كل حال ، وإن خفي سر آياته على خلقه ولا شيء من الامرين بمحال . وقد نام بعض أهل العصر بمرض النوم عدة أشهر . ولكن ما جرى للفقير الهندي مخالف لسنة الحياة العامة في الناس فإذا ثبت أنه وقع بطريقة كسبية من طرائق رياضة هؤلاء الصوفية لا بدانهم وأنفسهم بما تبقى به الحياة كامنة في أجسادهم مثل هذه المدة الطويلة مع انتفاء أسبابها العامة في أحوال الناس الاعتيادية من دورة الدم والنفس وغير ذلك ، فلا وجه لاتخاذ أحد من العقلاء انكار كل ما يخالف السنن العامة قاعدة عامة ، ولا سيما فعل الخالق عز وجل لها وهو خالق كل شيء بقدرته ، وواضع نظام السنن والأسباب بمشيئته ، وأكثر منكري الخوارق يؤمنون به ، وانما ينكرون وقوع شيء مخالف لسننه بأنه مناف لحكمته ، ومن ذا الذي أحاط بحكمه أو بسننه علما ؟ وانما الذي يقضي به العقل أن لا نصدق بوقوع شيء على خلاف السنن الثابتة المطردة في نظام الأسباب العامة إلا إذا ثبت ثبوتا قطعيا لا يحتمل التأويل ؛ وهذا هو المعتمد عند المحققين من المسلمين وعلماء المادة وعلماء النفس وغيرهم ، وقد ثبت في هذا العصر من خواص